مقدمة

اعلم اخى القارىء ان الطرق الموصله الى الله عديده وقد اختار الله سبحانه وتعالى رسوله وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم خاتما للرسل كما جعل لنا الاسلام دينا وسمانا نبيه ابراهيم بالمسلمين ,فأولي لكل رشيد عاقل أن يسلك الطريق المبلغ الي الله عز وجل واقرب سبل الوصول لنيل المأمول في الغالب سلوك طريق القوم من خبير عارف وأخذ الذكر عنه لابتغاء تحصيل المعارف لأن تعاطي الاذكار من غير شيخ مرشد لا تحصل معه في الأغلب نتيجة وربما يحصل به الضرر بإستحواذ الشيطان , ولذا صار كل من يريد معرفة الله تعالي يقصد أهل الله الكاملين ويأخذ عنهم ويسلك طريقهم لأنهم أعرف بالله تعالي عمن سواهم .

وفي العام 1241 هـ الموافق 1826 م أظهر الشيخ إسماعيل الولى طريقته المعروفة باسم الطريقة الاسماعيلية وهي أول طريقة سودانية المنشأ وقد حوت الطريقه الاسماعيلية اسرار اعظم الطرق الموصلة الي الله تعالي وخصوصاً اسرار الطرق الستة التي عليها المدار اليوم فإنها كافية فيها وتغني صاحبها عنها لأنها مختصة بأسرار لم تحتوي عليها تلك الطرق الستة وهي النقشبندية و القادرية و الشازلية والجنيدية والميرغنية ، والختمية التي حوت أسرار الطرق الخمسة المتقدم ذكرها وأما الطريقة الاسماعيلية فإنها حاوية لما اشتملت عليه الطريقة الختمية والطرق الخمسة المتقدمه .

 

 

 

تفسير ألفاظ من بعض مصطلح أهل الله

رضى الله عنهم

(من كتاب مشارق شموس الانوار للشيخ اسماعيل الولى رضى الله عنه )

أعلم أيها الإبن السالك أرشدك الله تعالى إلى أقوم المسالك أن أهل الله رضي الله تعالى عنهم وأمدني وإياك بمددٍ من الله ورسوله منهم لهم إصطلاحات متداوله بينهم قد قذفها الله سبحانه وتعالى في قلوبهم وجعلوها بينهم يتداولونها لأجل تسهيل ما يؤمون الوصول إليه ولأجل تقريب الأفهام لسامعيها من السالكين طريقهم أو غيرهم كما أن أهل كل فنٍ من الفنون لهم مصطلح يكون مجالهم في ذلك الفن به . وقد صعبت ظواهر هذه الألفاظ لكثير من السالكين في أهل زماننا هذا ولم يزالوا يسألونا حل ألفاظها لهم فأجبتهم لما سألوا فيه من حل ظواهر بعض مشكلاتها وبيان مصعباتها لما ألهمنيه الواهب الحكيم إنه هو الفتاح العليم ، فأقول مستعيناً بالله أولا في معنى قولهم ( الذات) . أعلم يا بني أن الذات إن أعتبرت من حيث إطلاقها ، عبارة عن أمر يكون استناد الأسماء والصفات عليه ، وهذا الأمر تارة يكون معدوماً وتارة يكون موجوداً ، بل في وجوده نوعان نوع يكون ملحقاً بالعدم كذواتنا فإنها فانية لحدوثها وإحتياجها للمحل والمخصص ، ونوع يتمحض وجوده كذات الحق جلّ جلاله فإنها باقية لقدمها وغنائها عن المحل والمخصص ، فسميت ذاتاً لكونها جعلت مستنداً لأسماء الله تعالى وصفاته القديمة ، وأما هي حقيقة فإنها عبر بها له عن نفسه التي هي موجود بها ، والعلم لله تعالى . وأما ( الاسم ) مطلقاً فإنه عبارة عن كل ما يقع به تعيين مسماه في فهم كل سامع ويمثله له في خياله سواء كان ذلك المسمى موجوداً أو معدوماً . وأما ( الصفة ) مطلقة فهي عبارة عن كل ما يوصل الواصف حالة الموصوف إلى ما يبلغه معرفة تثبته في فهمه وتجمعه في وهمه . وأما ( الألوهية ) فإنها عبارة عن شمول جميع المراتب الإلآهية والكونية وإعطاء كل ذي حق من المراتب حقه بمثابة ظهور الأسماء والصفات فيها فيظهر كل منهم بحسب ما يستحقه إن كان إسما أو صفة . وأما ( الأحدية ) فانها هي المرتبة التي لا ظهور لإسم ولا صفة ولا غيرهما فيها أصلا لإستهلاكهم فيها ، وقد تسمى جمع الجمع لأنها الفناء عن الغير بالكلية والإستهلاك من حيث أنها لا تطلب إلا انعدام جميع الأسماء والصفات وغيرهم . وأما ( الواحدية ) فإنها عبارة عن فناء العالم بظهور أسماء الله وصفاته فقط . فأفهم أن الواحدية بالنسبة أدنى من الأحدية ، والأحدية أدنى من الألوهية ، فالألوهية أعلا .

والفرق بين هؤلاء الثلاثة :-

1) أن الواحدية لا يفنى فيها إسم ولا صفة ، وإنما تظهر فيها جميع الأسماء والصفات بحكم الذات .

2) والأحدية لا يظهر فيها شئ من ذلك ، بل كله مستهلك فيها لأنها تعبر بمحض صرافة الذات لأنعدام الأسماء والصفات والمؤثرات .

3) والألوهية يظهر فيها ذلك كله بحكم الإستحقاق ، أي مما يستحقه كل واحدٍ منهم .

وأما ( الرحمانية ) فإنها عبارة عن ما يختص بذات الله سبحانه وتعالى من الأسماء مما لم يمكن فيه اشتراك للمراتب الكونية ، وبذا يعلم أن الرحمانية أعز حالا من الألوهية لخاصيتها بالمراتب الحقية دون الخلقية ، والألوهية عامة في جميع المراتب الحقية والخلقية لشمولها مع إعطاء كل ذي حقٍ حقه . وأما ( الربوبية ) فإنها تطلب بقاء العالم من حيث إقتضائها للأسماء التي تطلب الموجودات بأن يطلب كل إسم من الأسماء الداخلة تحتها ما يقع عليه كالقادر والمريد وما أشبههما ، فالقادر يطلب مقدوراً عليه ، والمريد يطلب مراداً عليه وغير ذلك . وأما ( الهوية ) فهي عبارة عن ذات الحق سبحانه وتعالى بإعتبار عمومها ، أي ملاحظتها من حيث هي هي لا بشرط وصفها بشئ ولا بشرط عدم وصفها به . وأما ( الانية ) فهي إشارة إلى الظاهر بإعتبار شموله للباطن بحيث تعقل الهوية المشار إليها بلفظ هو فيها ، أي في الانية المذكورة المشار إليها بلفظ أنا . فالهوية هي عين الانية لأن الانية إشارة إلى ظاهرة سبحانه وتعالى فإنها جامعة لجميع المظاهر والهوية اشارة عامة تعلن بالباطن الغيبي ، فلذا يقال أن ظاهر الحق عين باطنه وباطنه عين ظاهره .

وأما ( العما ) فانه نفس الذات من حيث اعتبارها مطلقة في استـتارها وبطونها ، فالأحدية نفس العما من حيث اعتبارها في الظهور والتعالي ، بل إعتبار الإطلاق في نفس الذات عن التقييد بالتعالي والتداني من حيث البطون والاستـتار مع منافاة استـتار الحق من نفسه عن تجل أو تجليه لها من استـتار عنها هو حكمها المعبر عنه بالعما ، أي البطون الذاتي العمائى الذي هو حقيقة الحقائق . وأما إعتبار التعالي في نفس الذات من حيث الظهور هو حكمها فيها المعبر عنه بالأحدية ، أي الظهور الذاتي الأحدي فبذا يفهم الفرق بينهما الفاهم ، والله هو الحكيم العالم . وأما ( الأزل ) فإنه عبارة عن قبلية محكوم بها بطريق الاستحقاق ، فأزل الحق سبحانه وتعالى هو الأزل المطلق الذي أستحقه لنفسه فلا يستحقه غيره بحيث لم يكن معه في أزله شئ من الحوادث ، بل أزله حكم ذاتي فهو قبيلته التي إقتضاها كماله فيقال له أزل الأزل . وأما أزل الخلق فإنه مغاير لأزل الحق جل وعلا لأن أزل كل مخلوق من المخلوقات عبارة عن قبيلته على غيره . وأما ( الأبد ) فإنه عبارة عن بعدية محكوم بها بطريق الإستحقاق أيضاً ، فأبد الحق سبحانه وتعالى هو أبد الآباد الذي هو إستمرار بقائه بعد إنقطاع وجود جمييع الممكنات ، وهو له حكم ذاتي استحقه كماله . وأما أبد الممكنات فإنه مغاير لأبد الحق جل وعلا ، فأبد كل ممكن عبارة عن وجوده بعد إنقطاع ما دونه . وأما ( الجمال ) فإنه عبارة عن صفات الباري تعالى المشتملة على الرحمة واللطف والجود وغير ذلك . وأما (الجلال) فإنه عبارة عن صفات الحق سبحانه وتعالى المشتمله على الكبرياء والعظمة وغير ذلك . فافهم أن صفات الجمال لها جلال لشدة ظهورها . وصفات الجلال لها جمال في ابتداء ظهورها . فبهذا يعلم أن لكل جمال جلالا ، ولكل جلالا جمالا . وأما ( الكمال ) فإنه عبارة عن حقيقة الحق جل وعلا التي لا تدرك لمخلوق . وأما هو فإنه مدركها ومدرك عدم إدراكها لمخلوق من خلقه ، وفي هذا إشعار بإحاطة علمه تعالى بجميع المعلومات الموجودات والمعدومات . وأما (التجلي) هو إنكشاف الغيب للقلب . وأما (الوقت ) فإنه عبارة عن التجلي الذي يصدر من الحق جل جلاله لعبد من عبيده . وأما ( الجرس ) فإنه هو الخطاب الذي يرد على القلب من الحق حيث يجمل مع كينونته منه بضرب من القهر الوارد عليه .وأما ( السر ) فإنه هو الأمر الخفي المودع في القالب الحسي كإيداع الروح فيه ، بل هو باطنها لإحتمال أنه هي اللطيفة الربانية التي أودعها الله تعالى في القالب الحسي ، فالسر هو محل المشاهدة وقد يتنزل درجة بعد أخرى فإذا تنزل درجة صار روحاً وهي ظاهر السر الكائنة في القالب الحسي بل هي محل المحبة ، وأما إذا تنزل درجة أخرى يسمى قلباً وهو محل المعارف كما أن السر محل المشاهدة فهنيئاً لمن كان ظاهر السر وسالكاً بصدق عمله منهاج أهل البر .

فأفهم يا ابني هذا التفريق وكابد في منازل أهل التحقيق . وأما ( سر السر ) فإنه هو الأمر المخفي الخفي الكائن في باطن السر مما لم يكن لأحد فيه إطلاع سوى الله سبحانه وتعالى . وأما ( الجمع ) فإنه هو براءة الأنفس من الحول والقوة لمشاهدتها كل كون بالله تعالى إذ لا حول ولا قوة إلا بالله . وأما ( جمع الجمع ) فإنه هو الفناء عن الغير بالكلية لأستهلاكه وعدم شعوره بغير الله جل وعلا إذ هي مرتبة الأحدية المتقدمة . وأما ( الفرق الأول) فإنه إحتجاب السالك عن مولاه بمخلوقاته وهذه المرتبة لعوام السالكين . وأما ( الفرق الثاني ) فإنه لأهل الكمال وهو أن يشهد العبد قيام كل مخلوق بالخالق ويشهد الوحدة في الكثرة وعكسها فلا يحتجب بهذا عن هذا . وأما ( الفناء ) فإنه إنتفاء الحظوظ والأمور النفسية عن السالك فلا يبقى مع شئ منها ، بل لم يزل فانياً عليها . وأما ( البقاء ) فإنه بقاء العبد بما لله سبحانه وتعالى بفنائه بما هو له . وأما ( علم اليقين ) فإنه هو العلم الذي يحصل للسالك حيث يتيقنه بالمشاهدة التي تحصل له في سره لا من حيث بغيرها . وأما ( عين اليقين ) فإنه هو العلم الذي يحصل للسالك حيث يتيقنه بالمشاهدة التي تحصل له في سره لا من حيث بغيرها . وأما ( حق اليقين ) فهو فناء صفات العبد الذميمة في صفات الحق العظيمة وإبدالها بها على طريق التعويض لا من حيث فناء ذات العبد في ذات المعبود كما يفهمه بعض المتطفلين والجاهلين ، بل العبد باقي بالله علماً وشهوداً وحالا .

وقد علمت يا إبني ذلك فأفهم أن مثال ذلك كالمحل إذا تحقق وجوده بالعلم المتواتر حيث لم يكن فيه تشكيك للمواترة الحاصلة ومطابقة الأخبار عليه ، فإذا حصل لك اليقين بذلك ، فذلك هو علم اليقين . وأما إذا شاهدت هذا المحل من غير إقامة فيه وحصل لك اليقين بمشاهدتك فذلك هو عين اليقين . وأما ( التجريد) فإنه هو الحضور الدائم مع الله سبحانه وتعالى بإزالة غيره من القلوب والأسرار . وأما ( الشهود) فإنه رؤية الحق سبحانه وتعالى به . وأما ( المشاهدة ) فإنها رؤية الحق في كل ذرة مع التـنـزيه التام الذي هو تفريده بذاته وأسمائه وصفاته بأن لايشابهه فيها أحد من مخلوقاته . وأما ( الإتصال ) فإنه عبارة عن عدم شهود العبد غير الكبير المتعال .وأما ( المراقبة ) فإنها مداومة السالك على العلم بإطلاع مولاه عليه في سره ونجواه . وأما ( التصوف ) فإنه هو تفريد القلب للرب وإحتقار غيره وتعظيم أمره . وأما ( الخوف ) فإنه أمر يوجب الدخول في أمر غيره لطلب التخلص منه ، بل هو إرتعاش باطن يؤثر في الظاهر فلا يمكن معه ثبات . وأما ( الرجاء ) فإنه أمر يوجب إستعداد النفس لحصول مطلبها مع الأخذ في عمل يقرب وجدانه فالخوف والرجاء كلاهما يتعلقان بالمستقبل سواء كان مكروهاً أو محبوباً وقد يحصلان للسالك المبتدي . وأما ( القبض ) فإنه أمر يوجب الزهادة في الدنيا باستدلاله على الآخرة حيث يورث الخشية والأدب .

وأما ( البسط ) فإنه الجذل بالإقبال على ما ذكر فالقبض والبسط كلاهما يردان على قلوب الأحباب بغير سبب من الأسباب وقد يحصلان للسالك المتوسط في الطريق . وأما ( الهيبة ) فإنها حالة توجب لصاحبها الإستعظام عند الخاص ، والعام ، وقد تحصل له في حالة غيبه وإستغراق قلبه . وأما ( الأنس ) فإنه أمر يوجب لمن يحصل له الإيتلاف مع من رآه ، وقد يحصل له في حالة إفاقته وصحوه وثبوته عن محوه ، فالهيبة والأنس كلاهما فوق القبض والبسط ، والقبض والبسط كلاهما فوق الخوف والرجاء . وأما ( الشوق والمحبة ) فهما ميل الطبع للشئ ، والفرق بينهما أن الشوق ميل القلب مع طلب اللقاء بمحبوبه ، والمحبة مجرد ميل الطبع للأشياء لما هي عليه . وأما ( الحال والمقام ) الفرق بينهما أن الحال شئ يرد على قلب السالك بلا أمر ولا إجتلاب بل بطريق الوهب من الوهاب ثم يزول عنه . والمقام بطريق الإكتساب فيرد على القلب ويملكه فلا يزول عنه حتى يتعداه بالإنتقال منه إلى غيره . وأما ( الذوق والشرب والري ) فأصل حصولهم من ثمرات التجليات ونتائج الكشوفات ، فالذوق مبادئ الشرب فإنه يحصل بصدق المعاملة والمجاهدة وتعاطي المكابدة فيتناكر الجسم عند حصوله إلى أن يستوفى المنزل الذي أدركه بحلوله فيحصل له الشرب من المعاني فيسكر حينئذٍ بذلك الشراب الذي حصل له بعد ذوقه ، فإذا تملى منه رقى على السطح وأخذ في الشطح ، و( السكر ) عندنا هو الشئ الذي يرد على القلب فيحصل له بسببه غيبة عن عقله ولا يشعر بما يصدر منه في الحال من مقال أو فعال ، فالشطحات التي تحصل من بعض السالكين غالبها تحصل لهم في حالة سكرهم بشرب المعاني ، و ( الشطح ) عندنا هي الكلمة التي عليها شايبة دعوى ، فإذاً ترد على من قالها لأنها زلة في حق أي سالك كان قد صدرت عنه فيستغفر الله سبحانه وتعالى عنها ثم يرجع إلى الله بصدق المعاملة إلى أن يصل إلى مقام الكاملين الذين كلما أنفقوا شيئاً مما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من أسراره يخلفه لهم ، وهذا المقام للكاملين في مقابلة قوله تعالى ( وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه . ) ولم يزل يزداد بذلك حيث حصل له الإذن في التكلم بخلاف السالكين ، فإن ذلك ينقص من أحوالهم شيئاً ، وإذا أدام هذا السالك الشارب من المعاني مواصلة ذلك يحصل له الري بعد شرابه ، فحينئذٍ يكون صياحاً .

ثم بعد كماله لا يؤثر فيه ذلك الشرب شيئا ، فيكون كالمدمن ، ولله المثل الأعلى . وأما ( الحجاب ) فهو إجتماع الأكوان وإنصبابها في القلب وإنطباعها عليه فالظلماني منه ما يقوم بإدراك الرأي عن غيره ما يراه ببصره في عالم الملك ، والنوراني هو الوقوف مع العوالم الملكوتية والإشتغال بها عن الحق جل وعلا . وأما ( الملك ) هو عالم الشهادة الظاهر المشاهد بالبصر . و ( الملكوت ) فهو عالم الغيب الذي لا يشاهد إلا بالبصيرة وهو باطن الملك فقد يختص بالأرواح والنفوس المجردة . وأما ( الطوالع ) فهي المبادئ النورية التي تبدو للسالك في أول أمره من تجليات الأسماء بزوال الحجاب فتنور باطنه وتحسن أخلاقه فحينئذٍ يزداد على ما هو عليه من النشاط والمجاهدة وصدق المكابدة .

وأما ( اللوامع ) فإنها قريبة من الطوالع بل هي كناية عن الفتوحات التي تحصل للسالك في بدايته غير أنها دون الطوالع وأعز من اللوائح لبقاء تأخير زوالها قليلا . وأما ( اللوايح ) فهي دون اللوامع ، فهي كالبرق في سرعة زوالها بل تلوح عليه وهي قريبة من اللوامع والكل كناية عما يظهر للسالك في بدايته ، فأول ما يحصل له اللوايح ، ثم اللوامع ، ثم الطوالع ، وحصول الترقي في حالة ظهور كل منها إلى مقامات تشعر بزيادة الراقي وتسهيل سيره في المراقي . وأما ( التلوين ) فأنه عبارة عن صفة أهل الأحوال لعدم ثبوت صاحب الحال في منزلٍ واحد ، بل ينتقل من منزل إلى منزل فإنه متلون تارة يكون مع الحق جل وعلا ، وتارة يكون مع نفسه فلم يزل هكذا ما دام ورود الحال عليه . وأما ( التمكين ) فإنه عبارة عن صفة أهل الكمال المتمكنين ، فالكامل هو صاحب التمكين الذي استوى على عرش المعارف بأدلة التوحيد وحل في كرسي هيبة التأييد بالمزيد لظفره بنفسه وتقليبه في هيبته وأنسه . وأما ( النفس ) فإنها عبارة عن منشأ الأفعال الذميمة بسقوط الأخلاق الكريمة فهي أكبر أعداء الإنسان وأعظم عاضل كان . وأما ( الوجود ) فإنه هو القرب من حضرة الخلق والبعد عن حضرة الحق . وأما ( التواجد) فإنه سوق الوجد وطلبه للنفس بطريق إختياري . وأما ( الوجد) فإنه سوق النفوس وجرها إلى الأعمال الصالحة وحبها للآخرة بطرح حب الدنيا ورأيها . وأما ( المحو ) فإنه عبارة عن السكر الذي يحصل للعبد حيث يغيب عن شأنه ويصدر منه ما لا مدخل للعقل فيه . وأما ( الصحو ) فإنه عبارة عن إفاقة العبد بعد غيبه وشعور قلبه . وأما ( الطهارة ) فإنها هي رعاية المعبود لعبده بحيث لا تقع منه مخالفة له في طرقة من الطرقات . وأما ( طاهر الظاهر ) فإنه هو العبد الذي أدخله مولاه في زاوية حفظه التي لم تتأت مع دخولها حصول معصية منه لخالقه . وأما ( طاهر الباطن ) فإنه هو العبد الذي شغله الله سبحانه وتعالى به بإزالة وسواسه عنه . وأما ( طاهر السر ) فإنه هو العبد الذي أقامه مولاه في روضة الحضور الدايم معه فلا تحصل منه غفلة عن الله عز وجل في طرفة عين . وأما ( طاهر السر والعلانية ) فإنه هو العبد الذي أقامه ربه في ذروة التوفيق برعاية جانب الحق والخلق وتوفية حقوق الجميع بحيث لم يضيع منها شيئاً . وأما ( كيمياء العوام ) فإنه عبارة عن بذل نتائج الأرباح المعدودة للآخرة في الأمتعة الدنيوية وإستبدالها بها . وأما ( كيمياء الخواص ) فإنه عبارة عن استفراغ القلب من الأكوان وحشوه من استيتار مكونها في عموم الأزمان والأحيان . وأما ( كيمياء السعادة ) فإنه عبارة عن التخلق بكل وصف حميد عظيم بالتخلي عن كل وصف ذميم . وأما ( المحاضرة ) فهي الحالة المتقدمة على المراتب التي تليها فإنها عبارة عن دوام حضور القلب مع الرب بالدليل القاطع والبرهان الساطع فإن صاحبها هو الذي يظفر بالفوائد حتى يظهر بالبراهين وخرق العوايد . وأما ( المكاشفة ) فإنها أكمل من المحاضرة وهي عبارة عن حضور القلب بصفة بيان لا يحتاج فيه إلى تأمل في برهانه ولا ينحجب شئ عن شأنه . وأما ( المشاهدة ) فإنها أكمل من المكاشفة وهي عبارة عن قطع التهمة في وجود الحق جل وعلا للمشاهد . وأما ( المعاينة ) فإنها عبارة عن إحتوى الذات بحيث لا يكون معها ثم معاين لإحاطتها وعدم صلاحية وجود كون غيرها معها فهذا آخر ما وافق الوارد على حله وأعلن الذوق بالتكلم عليه من أصله وذلك من مواهب الموهب الخبير إنه على كل شئ قدير ، شعر :-

يا  أيها  الطارق  للأبواب ورائماً   إزالة   الحجاب
عليك بالتقوى وحسن العمل   مع انتهاج المسلك الموصل
فأسمع  كلامي  وإتبع  مقالي  وقم بأمر  الله ذي  الجلال
وأتبع الأنصاف والنصيحـة   مني بقول ألسـن فصيحة
في عهد مذهبي الذي  أبديته   وفي إنتهاجي حسن ما أنهيته
ترقى سماء  ذروة المعالـي وتجتـني من  صالح الأعمال
تسر مع الأحباب في مسرانا وتبلغ  الإيمان   والإحسانا
ولم  تزل في جنة  المشاهدة تثوى بصدق أخلص المجاهدة
فقم معي يا صاحبي في السير وألزم   مواخاتي  بنهج  البر
 تخض  بحار  السر  والمعارف وتملك  العلوم  واللطايـف
كما الإله من  بالإحسـان  على  جميعنا  بالإمتنــان
حمداً له في  أول وآخــر  على مرور  الدهر  بالتكاثر

فإنتبه يا إبني لما أبديته وأستوعى معاني كامل ما أنشدته فإنك تهدي إلى المنهاج القويم والمسلك المستقيم والحمد لله على إتمام كرامته وإسباغ نعمته علينا وعلى من أنعم عليه بحسن إخلاصه معه وإقباله إليه إنه هو الواهب الجليل ، والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل .

في عين درجة الإســـلام

نقلا عن كتاب مشارق شموس الانوار

أعلم أيها الإبن الصادق والصديق الموافق أن درجة الإسلام هي الدرجة الأولى ، إذ بها الإنتقال من حالة ظلمة الكفر إلى حالة نور الإيمان ، قال تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام . ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون . ) شعر :-

 

                                     أسلم فإن ســلامة الإنسـان                   في نفسه عن نزعة الشيطان

  هي أصل مبدأ خيره وهــديه                   وخروجه من ظلمة الطغيان

            والكفر والجهل المعيق إلى                      مسـاعي عين نور السلم والفرقان

فأفهم يا بني أن العلم في صدور الأولياء مكنون وفي قلوبهم مخزون وكل منهم يعبر بحسب ذوقه ومشاهدته بموافقة الإذن والأمر بالتكلم فيه ، وقد نبهتك ياذا اللب السليم لكوني أريد أن أقرب لك الفهم في هؤلاء الدرجات بما ألهمنيه العليم الحكيم ، وذلك بحسب ذوقي ومشاهدتي ، قد أقسم لك ذلك حيث لم يسبقني وليّ من الأولياء بهذا التقسيم ولم أره في كتب المتقدمين ولا المتأخرين ، وذلك من فضل الله والله ذو الفضل العظيم .

لوامع أنوار وبوارق أسرار : فأفهم أيها الطالب والسالك الراغب ، أن الإسلام ينقسم حده على ثلاثة أقسام :-

(1) في الشريعة .

( 2) في الطريقة .

(3) في الحقيقة .

أما حده في الشريعة ، فهو شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله ، وأقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( بني الإسلام على خمس ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا . ) فإن الإسلام يعصم الدم والمال إلا بحق ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله . )

وأما حده في الطريقة ، فهو كف اللسان واليد عن أذية الخلق مع التحفظ عن ما يؤديه إلى ضعفه كـترك الفرائض واللوازم التي كلفه الحق بها ، فان الكف هو الإسلام ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( المسلم من سلم الناس من لسانه ويده . ) بحيث لا يؤذي أحداً بوجه من الوجوه ومع ذلك أن اذاية اللسان غالبة من الأذاية باليد ، ولذا حث الحكيم الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام من الملك الخالق على الصمت ، وحذر عن كثرة الكلام ، وقد بين السلامة في الصمت حيث قال : ( من سره أن يسلم فليلزم الصمت . من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به . ) ولذا كان سيدنا الصديق رضي الله تعالى عنه يضع في فيه حجراً مخافة أن يتكلم في غير ضرورة ويشير إلى لسانه ويقول : ( هذا الذي أوردني الموارد . ) وكان مناظراً في هذا قوله عليه الصلاة والسلام :- ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .) .

وأما حده في الحقيقة ، فهو عندنا وعند أصحابنا . أن يسلم العبد نفسه وأمره لمولاه . وأن لا يلتفت إلى سواه ، ويسلم كل ما قضى به القدر بلا معارضة ظاهرة ولا باطنة ، فيكون ذلك الأمر عين مراده حيث كان مراد الله ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الإسلام : ( أن تسلم وجهك لله ، وان تخلي له نفسك . ) فعلمنا أن الإسلام في الحقيقة هو إستسلام الوجه لله تعالى وتخلية النفس له . فهذا هو الخروج بالكلية عن طور البشرية ، وهذا المقام هو مقام أهل الخصوصية الذين خرجوا من رعونة الظلمة الطبيعية فاستسلموا لمولاهم بالعبودية فتنزهوا عن المعارضة فيما تقتضيه الحكمة الربانية فحصل لهم الإسلام الحقيقي الذي ليس فيه شائبة شرك ، فتفرغت قلوبهم عن الهموم والأحزان وقابلت مشاهدة الملك الديان ، لأن سبب جذب الهموم هو الشرك مع الحي القيوم ، فمن أفرد قلبه لمولاه لم يصبه هم في دنياه وأخراه . ومن هنا نال العارفون مقام التوكل والتفويض وبعض أسرارهما وعلومهما ، وكفى بهما فلاحاً ونتاجاً كفاية الله سبحانه وتعالى لصاحبها بشهادة قوله : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه . ) فمن كان صاحب مشرب روى وذوق جلى عرف من هذا دخول مرتبة الإسلام في مرتبة الإحسان كما يعلم من سر قوله تعالى : ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن . ) وهذا من بعض السر الخفي فما أظن أحداً من الأولياء تكلم عليه إلى وقتنا هذا . فلولا منعني الوقت لكنت أفشى منه شيئا يحير السامعين وتتيه فيه أفكار المتفكرين ، والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل .

في عين درجة الإيــمان

أعلم أيها المحب الصادق والسالك الموافق ، أن الإيمان هو النور الذي ينتقل به من ظلمة الكفر والخسران ، قال تعالى : ( آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) .شعر :-

نور السعادة بالإيمان يتصل             والخير يرقى به والفضل يكتمل

آمن بربك ياذا العقل وأرض به          رباً وبالرسل والأملاك قد تصل

إلى المقام الذي يحوي الأمان به         فلا ترى غير عز ليس ينفصل

فأفهم يا بني ، فان الإيمان له حد في الشريعة ، وحد في الطريقة ، وحد في الحقيقة . فأما حده في الشريعة . هو التصديق والإقرار بما جاء به الشارع المختار من الملك الجبار مع التصديق بالملائكة والكتب المنزلة من الله والرسل والجنة والنار والصراط والميزان والحوض والشفاعة والساعة وغير ذلك . ولذا كان عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن الإيمان يقول : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره . )

وأما حده في الطريقة . هو كف الإنسان الشرور عن الناس بأن يأمن الناس من شره ويرجون خيره حيث يؤمنوه على أنفسهم وأموالهم ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً . ) ويعرف سر هذا من سر قوله عليه الصلاة والسلام(المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأموالهم) . فالمتحقق بهذا هو الفائز بمنال الدرجتين اللتين هما الصبر والشكر أو الصبر والسماحة المشار إليهما في قوله عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان نصفان ، نصفه شكر ، ونصفه صبر .) أو في قوله عليه الصلاة والسلام حين سئل عن الإيمان فقال : ( هو الصبر والسماحة . ) ومن هذا الباب أخذ العارفون منال التحقق بمقام الصبر المشار إليه في قوله تعالى : ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون .) وقوله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب . ) فمن هذا يطلع أهل الأذواق على أن الترقي إلى المقامات لا يكون بالبلاء والإبتلاءات بل إنما يحصل الترقي إلى المقامات بالصبر عليها ، فمن إبتلى بشيء من أنواع البلايات ولم يصبر عليها بحيث لم يرضى بما قضاه ربه عليه فهو مطرود مخذول . ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله فنقول :-

وأما حده في الحقيقة عندنا وعند أصحابنا . هو اليقين بالله سبحانه وتعالى والإيمان بالقدر ووفاء الأمانات العضوية بصرفها إلى مشاهدة حضرة مولاه حيث أيقن بأنه هو الرب المنفرد بالألوهية وهو العبد المتخلق بوصف العبودية فتخلق بذله عن عزة مولاه وبفقره عن غناه وبضعفه عن قوته وبعجزه عن قوته . فهذا هو الإيمان كله لأنه اليقين بالله بحيث لا يدخر غيره تعالى ولا يطلب رزقه إلا منه ولا يلتفت إلا سواه ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( اليقين الإيمان كله . ) وكان عليه الصلاة والسلام سئل مرة عن الإيمان فقال : ( هو اليقين . ) فقيل ( يا رسول الله وما اليقين ؟ ) قال ( الزهادة في الدنيا . ) فقيل ( يا رسول الله وما الزهادة في الدنيا ؟ ) قال ( أن تكون ما في يد الله أوثق به مما في يدك ) .

فأفهم يا بني ، فإن صاحب اليقين هو الذي نال الإيمان كله حيث أنه صدق بجنانه ونطق بلسانه وعمل بأركانه . فإن الإيمان في الحقيقة يطلق على هذا أيضاً قال عليه الصلاة والسلام : ( الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ) فمن كان هكذا فإنه هو المؤمن الذي يكشف عن الغيب بنور إيمانه ، لأن أصل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده فيحصل له هذا الإنكشاف به كما يؤخذ من قوله عليه الصلاة والسلام : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) .

بوارق أسرار وعلوم من حضرة القيوم : فأفهم يا بني ، أن العبد إذا تحقق بالإيمان من هذا الباب فإنه يحصل له فراغ القلب عن الأغيار والفناء في مشاهدة الملك الجبار لنفي الهم والحزن عنه كما تقدم في المغرب الخامس . وهذا المشرق في حد الإسلام في الحقيقة لأنه آمن بالقدر ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن ) فيرسخ بذلك في قلبه فعل الخير باداء الأمانات العضوية بصرفها إلى ما خلقت له حيث انتفى عنه القاطع الذي يصرفه إلى إرتكاب المحارم والطمع وغيرهما . والإيمان يحصل العفة عنهما من هذا الباب ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول : ( الإيمان عفة عن المحارم وعفة عن المطامع . ) والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل .

فى عين درجة الإحســـان

أعلم يا بني أن الإحسان درجته شامخة وكراماته راسخة ، قال تعالى : ( وبشر المحسنين ) . شعر :-

             أحسن معاملة الإله أخي ولا         تطلب سوى مرضاته في شأن

              فهو الكريم عليك إن عاملته                يورثك أعظم ذروة الإحسان

             ويريك أقصى نعمة من فضله               وكرامة  كبرى مدا  الأزمان

فأفهم ، فإن الإحسان من حيث هو له حد في الشريعة وحد في الطريقة وحد في الحقيقة . فأما حده في الشريعة . فهو الإخلاص في الذكر والإقبال على الله في أي حال كان مع ملازمة الأدب والخشوع والتذلل والخضوع بأن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه . ولذا كان عليه الصلاة والسلام يقول ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك ) .

وأما حده في الطريقة . الانسلاخ عن حظوظ النفس بالكلية ومجانبة الخواطر النفسانية والفناء في محبة الله تعالى مع عدم الغفلة عنه طرفة من الطرفات في أي حالة كانت من الحالات .

وأما حده في الحقيقة . هو الإقبال على الله مع التحقق بدرجة الإسلام ودرجة الإيمان ودرجة الصلاح والإستقامة في الظاهر والباطن على أفعال أهل الفلاح فلا يسمى العبد محسناً عندنا وعند أصحابنا حتى لا يرى غير الله سبحانه وتعالى في أي حال كان في أي شئ من الأشياء ويكون مصحباً التوبة والإنابة بتخليه من خواطره النفسانية . فإذا مرّ بقلبه غير الله سبحانه وتعالى ولو سهواً تاب منه وأناب ، مع أنه يكون زاهداً في الدنيا لأجل محبة الله سبحانه وتعالى ملازماً التوكل على الله وتفويض جميع أموره له راضياً بجميع ما يرضاه مولاه مخلصاً في الحركة والسكون راسخاً في الرضا بالقدر في حالتي الشدة والهون .

فإن هذه كلها مقامات مستقلة مختصة بهذه الدرجة فلا يكمل أحد مرتبة الإحسان إلا إذا تحقق بها . فإن درجة الإحسان مرتبتها عظيمة وخيراتها وفيوضاتها جسيمة لما تضمنته من هذه المقامات العديدة مع الأسرار والعلوم الغزيرة المفيدة . فإنها لم تحصل لإنسان إلا بعد ما يستكمل درجة الصلاح التي هي دوام العبادة بالخشوع ، فان كل ما تحقق بدرجتي الإسلام والإيمان وأدام العبادة بالخشوع والخضوع وطلب التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل فإنه يسمى صالحاً ، فهذا هو إستكمال درجة الصلاح المشار إليها عند أهل الله ، فإذا إستكملها العبد ينتقل منها إلى درجة الإحسان التي تكلمنا عليها بحدودها المتقدمة في هذا المغرب ، فإذا إستكمل العبد درجة الإحسان المذكورة ينتقل منها إلى درجة الشهادة التي هي الفناء في محبة الله والنشاط في إدامة الذكر مع تحققه بكامل الدرجات المتقدمة ، فإذا إستكملها ينتقل منها إلى درجة الصديقية ذات الأمور الخفية والمعارف الحقية فإنها هي الدرجة المشار إليها عندنا بأنها هي إنكشاف عين المعرفة وأسرارها وعلومها وأنوارها مع الرسوخ في باطن ما تضمنته من حضراتها التي هي حضرة علم اليقين وحضرة عين اليقين وحضرة حق اليقين مع التحقق بكامل ما تقدم من الدرجات فعند ذلك يكون موقناً راسخاً في معرفة مقام الفناء ومقام البقاء ومقامات التجليات الذاتية والصفاتية وغير ذلك من أنواع التجليات ، فإذا استكملها العبد ينتقل منها إلى درجة القربة التي هي الولاية الكبرى المعروفة عندنا بجنة التجليات وجنة الشهود وإكمال السعود . فهذه الدرجة لم يصل إليها إلا من استكمل كامل الدرجات المتقدمة وسلك مسالكها المعظمة القويمة المخمة ، فحينئذٍ يحصل له القرب التام في حضرة الملك العلام . فإن نائل الولاية الكبرى التي في درجة القربة الفخرى يحصل له التحقق بمقاماتها وقد يحضر جميع حضراتها فيدخل أولاً حضرة الخلة التي هي مقام سيدنا ابراهيم عليه السلام فيحصل له الأمان التام من الرجوع إلى أسفل ومن السلب والوقوف مع غير الله تعالى لتأمين الله تعالى داخله كما قال : ( مقام ابراهيم ومن دخله كان آمناً ) ثم من هذه الحضرة يدخل حضرة الحب فإذا دخلها ينعدم من نفسه ببقائه فيها ، فحينئذٍ لا يسمع ولا يرى إلا الله جل وعلا لفنائه فيه ظاهراً وباطناً فيفوز بمحبة الله له بحيث يكون له سمعاً وبصراً ويداً ورجلاً ولساناً وغير ذلك . ثم من الحضرة يدخل حضرة المقام المحمدي المعروفة بالختام فيصير كاملاً شاملاً ، فعند ذلك يعبر عن داخلها بالكامل المحمدي والختم الأحمدي .

وفي هذا المقام سر لطيف لا يفشى بل طوينا في العبارة أشياء لا يسعها الكون إذا أبديناها فيه مخافة إنكار من لم يصل إليها بل يطلع عليها أهل الكشف الحاملون بالنظر في مبحثها ، والسر لا يباح به إلا لأهله . ثم من هذه الحضرة يدخل حضرة العبودية . وهنا قد وقف القلم عن التسطير ودق الفهم عن التعبير لانتهاء السير في هذه الحضرة لكمون الأسرار المحتوية عليها فيها لأنها قد وصف الحق عبده الأشرف والواسطة لكل ذي شرف يتحقق دخولها من باب مطلق عبوديته فلا يسمى داخلها إلا العبد مطلقاً لأقراره بالتبعيه الواسطة لصيرورته خليفة عنه فيما تحقق به بتوسطه له فيه . وهنا سر شريف لا يفشى وهو من السر المستور الذي أمرت بكتمه فلا أستطيع بثه في هذا الوقت لضيقه عنه ، وأكثر العارفين يسترون الأشياء مخافة أهل الدعاوي الذين لا علم لهم بما ذكر سوى الدعوى ، فإذا وجدوا مثل هذه الأمور موضوعاً وعرفوها في كتب أهل التحقيق أدعوها ونسبوها لأنفسهم وأدعوا بها أكبر المقامات وصاروا يضلون بها كثيراً من الناس فيؤدي ذلك إلى خلاف ما قصده أهل التحقيق فإنهم إذا وضعوا شيئا يرجون به النفع للخلق بأن يصلح الله به كل من يعثر به فيهتدي إلى الصراط المستقيم فيجدونه في موازينهم برحمة الواهب الجليل والله على ما نقول وكيل وهو يهدي السبيل .

التعليقات مغلقة.